فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
قوله: {مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ}: فيه وجهان، أحدهما: أنها لبيانِ الجنسِ. قال ابن عطية: هي لبيانِ جنسِ الإِشفاق. قلت: وهي عبارةٌ قلقة. والثاني: أنها متعلقةٌ ب {مُشْفِقُون} قاله الحوفي، وهو واضح.
قوله: {يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ}: العامَّةُ على أنَّه من الإِتياء أي: يُعْطون ما أَعْطَوا. وقرأت عائشة وابن عباس والحسن والأعمش {يَأْتُون ما أَتَواْ} من الإِتيان أي: يفعلون ما فَعَلوا من الطاعاتِ. واقتصر أبو البقاء في ذكر الخلاف على {أتَوْا} بالقصرِ فقط. وليس بجيدٍ لأنه يُوهم أنَّ مَنْ قرأ {أَتَوْا} بالقَصْرِ قرأ {يُؤْتُون} من الرباعي. وليس كذلك.
قوله: {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} هذه الجملةُ حالٌ مِنْ فاعل {يُؤْتُوْن}، فالواوُ للحال.
قوله أنَّهم يجوزُ أن يكونَ التقديرُ: وَجِلةُ مِنْ أنَّهم، أي: خائفةٌ مِنْ رجوعِهم إلى ربهم. ويجوزُ أن يكون لأنَّهم أي: سَبَبُ الوجَلِ الرجوعُ إلى ربهم.
قوله: {أولئك يُسَارِعُونَ}: هذه الجملةُ خبرُ {إنَّ الذين}. وقرأ الأعمش {إنهم} بالكسرِ على الاستئنافِ فالوقفُ على {وَجِلة} تامٌّ أو كافٍ. وقرأ الحُرُّ {يُسْرِعُون} منْ أَسْرع. قال الزجاج: {يُسارِعُون} أَبْلَغُ يعني من حيث إنَّ المفاعَلة تَدُلُّ على قوةِ الفعلِ لأجلِ المغالبةِ.
قوله: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} في الضمير في {لها} أوجهٌ، أظهرها: أنَّه يعودُ على {الخيرات} لتقدُّمِها في اللفظ. وقيل: يعودُ على الجنة. وقيل: على السعادة. وقيل: على الأمم. والظاهرُ أنَّ {سابقون} هو الخبرُ. و{لها} متعلق به قُدِّمَ للفاصلةِ وللاختصاصِ. واللامُ قيل: بمعنى إلى. يقال: سَبَقْتُ له وإليه بمعنىً. ومفعولُ {سابقون} محذوفٌ تقديرُه: سابقون الناسَ إليها. وقيل: اللامُ للتعليل أي: سابِقُون الناسَ لأجلِها. وتكونُ هذه الجملةُ مؤكدةً للجملةِ قبلها، وهي {يُسارِعُون في الخيرات} ولأنها تفيدُ معنىً آخرَ وهو الثبوتُ والاستقرارُ بعدما دَلَّتِ الأولى على التجدد.
وقال الزمخشري: أي فاعلون السَّبْقِ لأجلها أو سابقونَ الناسَ لأجلها. قال الشيخ: وهذان القولان عندي واحدٌ. قلت: ليسا بواحدٍ إذ مرادُه بالتقدير الأول أَنْ لا يُقَدَّرَ للسَّبْقِ مفعولٌ البتةَ، وإنما الغرضُ الإِعلامُ بوقوعِ السَّبْقِ منهم غيرِ نَظَرٍ إلى مَنْ سَبقوه كقولِه: {يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] {وَكُلُواْ واشربوا} [البقرة: 187] يعطي ويمنع وغرضُه في الثاني تقديرُ مفعولٍ حُذِف للدلالةِ، واللام للعلة في التقديرين.
وقال الزمخشري أيضًا: أو إياها سابقون أي: ينالونها قبل الآخرة، حيث عُجِّلت لهم في الدنيا. قلت: يعني أنَّ لها هو المفعولُ ب سابقون وتكون اللامُ قد زِيْدَتْ في المفعولِ. وحَسَّن زيادتَها شيئان، كلٌّ منهما لو انفرد لاقتضى الجوازَ: كونُ العاملِ فرعًا، وكونُه مقدَّمًا عليه معمولُه. قال الشيخ: ولا يَدُل لفظُ {لها سابِقُون} على هذا التفسيرِ لأنَّ سَبْقَ الشيءِ الشيءَ يدلُّ على تقدُّمِ السابقِ على المسبوقِ فكيفَ يقول: وهم يَسْبقون الخيراتِ؟ وهذا لا يَصِحُّ. قلت: ولا أَدْري: عدمُ الصحةِ من أيِّ جهةٍ؟ وكأنه تخيَّل أنَّ السابِقَ يتقدَّم على المسبوق فكيف يتلاقيان؟ لكنه كان ينبغي أن يقولَ: فكيف يقول: وهم ينالون الخيرات وهم لا يُجامِعُونها لتقدُّمهم عليها؟ إلاَّ أنْ يكونَ قد سبقه القلمُ فكَتَبَ بدل وهم يَنالون: وهم يَسْبِقون، وعلى كلِّ تقديرٍ فأين عَدَمُ الصِّحة؟.
وقال الزمخشري أيضًا: ويجوز أَنْ يكونَ {وهم لها سابقون} خبرًا بعد خبرٍ، ومعنى وهم لها كمعنى قوله:
أنت لها أحمدُ مِنْ بينِ البَشَرْ

يعني أنَّ هذا الوصفَ الذي وَصَفَ به الصالحين غيرُ خارجٍ من حَدِّ الوُسْعِ والطاقةِ. فتحصَّل في اللامِ ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنَّها بمعنى إلى. الثاني: أنها للتعليلِ على بابِها. الثالث: أنَّها مزيدةٌ. وفي خبرِ المبتدأ قولان، أحدُهما: أنه {سابِقون} وهو الظاهرُ. والثاني: أنه الجارُّ كقولِه:
أنت لها أحمدُ مِنْ بينِ البَشَرْ

وقد رجَّحه الطبريُّ، وهو مرويٌّ عن ابنِ عباس. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57)}.
أمارةُ الإشفاق من الخشيةِ إطراقُ السريرة في حال الوقوف بين يدي الله بشواهد الأدب، ومحاذرةُ بَغَتَاتِ الطَّرْد، لا يستقر بهم قرارٌ لِمَا داخَلَهم من الرُّعْبِ، واستولى عليهم من سلطانِ الهيبة.
{وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58)}.
تلك الآياتُ مختلفةٌ؛ فمنها ما يُكاشَفون في الأأقطار من اختلاف الأدوار، وما فيه الناس من فنون الهِممَ وصنوفِ المُنى والإرادات، فإذا آمن من العبدُ بها، واعتبر بها اقتنع بما يرى نَفْسَه مطالَبًا به.
{وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59)}.
يَذَرون جَليَّ الشِّرْكِ وخَفِيَّة، والشِّرْكُ الخفيُّ ملاحظةُ الخَلْق في أوان الطاعات، والاستبشارُ بمَدْحِ الخَلْقِ وقبولهم، والانكسارُ والذبولُ عند انقطاع رؤية الخلْق.
ويقال الشِّرْكُ الخفيُّ إحالةُ النادر من الحالات- في المَسَارِّ والمَضَارِّ- على الأسباب كقول القائل: لولا دعاءُ أبيك لهلكت و لولا هِمَّةُ فلان لما أفلحت... وأمثال هذا؛ قال الله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنَُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106].
وكذلك تَوَهُّمْ حصولِ الشِّفَاءِ من شُرْبِ الدواء.
فإذا أيقن العبدُ بِسرِّه ألا شيء من الحدثان، ولم يتوهم ذلك، وأيقن ألاَّ شيء إلا من التقدير فعند ذلك يبقى عن الشِّرْكِ.
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)}.
يُخْلِصُو في الطاعات من غير إلمام بتقصيرٍ، أو تعريحٍ في أوطانِ الكسل، أو جنوحٍ إلى الاسترواح بالرُّخَص. ثم يخافون كأنّهم أَلمُّوا بالفواحش، ويلاحظون أحوالَهم بعين الاستصغار والاستحقار، ويخافون بغتاتِ التقدير، وقضايا السخط، وكما قيل:
يتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافها ** فكأنَّما حَسَنَاتُه آثامُ

{أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)}.
مُسارعٌ بِقَدَمِه من حيث الطاعات، ومُسارعٌ بِهِمَمِه من حيث المواصلات، ومُسارعٌ بِنَدَمِه من حيث تجرُّع الحسرات، والكلُّ مصيبٌ، وللكلِّ من إقباله- على ما يليق بحاله- نصيب. اهـ.

.قال ابن عجيبة:

الإشارة: ذكر في هذه الآية أربعة أوصاف من أوصاف المقربين، أولها: الخوف والإشفاق من الطرد والإبعاد، والثاني: الإيمان الذي لا يبقى معه شك ولا وَهْم، بما تضمنته الآيات التنزيلية من الوعد والإيعاد، والثالث: التوحيد الذي لا يبقى معه شرك جلي ولا خفي، والرابع: السخاء والكرم، مع رؤية التقصير فيما يعطي. فمن جمع هذه الخصال كان من السابقين في الخيرات ويُسارع لهم في تعجيل الخيرات، وكل ذلك بقدر ما يطيق العبد، مع بذل المجهود في فعل الخيرات.
قال في الحاشية: والمسارعة إلى الخيرات إنما هو بقطع الشرور وأول الشرور: حب الدنيا؛ لأنها مزرعة الشيطان، فمن طلبها وعمرها فهو حراثه وعبده، وشر من الشيطان من يُعين الشيطان على عمارة داره، وما ذلك إلا أنه لم يهتم بأمر معاده ومنقلبه، لما جرى عليه في السابقة من الحكم، ولا كذلك من وصفه في الإشفاق من المؤمين؛ إجلالًا لربهم، ورجوعًا لحكمه فيهم غيبًا، فلا يأمنون مكره بحال، ولا يركنون إلى أعمال، بل عمدتهم ربهم ورحمته في كل حال. والله أعلم. والحاصل: أنهم مع كونهم يخشون ربهم ويؤمنون بآياته، ولا يشركون به شيئًا، ويودون طاعته، يخافون عدم قبوله لهم عند الرجوع إليه، ولقائهم له؛ لأنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأحكامه لا تعلل، ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده. اهـ.
قوله: ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده، أي: لأنه قد يرتب ذلك على شروط أخفاها عنه، ليدوم خوفه واضطراره، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، وليس خوف العارف من السابقة ولا من الخاتمة؛ لأنه شغله استغراقه في الحق والغيبة فيه عن الشعور بالسابقة واللاحقة، إنما خوفه من الإبعاد بعد التقريب، أو الافتراق بعد الجمع، وهذا أيضًا قبل التمكين، وإلا فالكريم إذا أعطى لا يرجع. والله تعالى أعلم. اهـ.